الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

372

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ولمحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالنبوة ، وقالوا : أنه لا يمكن استباحة دماء هؤلاء لمجرد عدم هجرتهم مع المسلمين : فنزلت هذه الآية الكريمة وهي تلوم الفئة الأخيرة على خطئها ، وترشدها إلى طريق الحق الصواب ( 1 ) . 2 التفسير استنادا إلى سبب النزول الذي ذكرناه ، تتضح لنا الصلة الوثيقة بين هذه الآية والآيات التي تليها ، وكذلك الآيات السابقة التي تناولت مواضيع وقضايا عن المنافقين . فهذه الآية تخاطب في البداية المسلمين وتلومهم على انقسامهم إلى فئتين ، كل فئة تحكم بما يحلو لها بشأن المنافقين ، حيث تقول : فما لكم في المنافقين فئتين . . . ( 2 ) وتنهي المسلمين عن الاختلاف في أمر نفر أبوا أن يهاجروا معهم ، وتعاونوا مع المشركين ، وأحجموا عن مشاركة المجاهدين ، فظهر بذلك نفاقهم ، ودلت على ذلك أعمالهم ، فلا يجوز للمسلمين أن ينخدعوا بتظاهر هؤلاء بالتوحيد والإيمان ، كما لا يجوز لهم أن يشفعوا في هؤلاء ، وقد أكدت الآية السابقة أن : من يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها . وتبين الآية بعد ذلك : إن الله قد سلب من هؤلاء المنافقين كل فرصة للنجاح ، وحرمهم من لطفه وعنايته بسبب ما اقترفوه وإن الله قد قلب تصورات هؤلاء بصورة تامة فأصبحوا كمن يقف على رأسه بدل رجليه : . . . والله أركسهم بما كسبوا . . . ( 3 ) .

--> 1 - ذكرت أسباب أخرى لنزول هذه الآية والآيات التي تليها ، وقيل أنها نزلت في واقعة أحد بينما الآيات التالية تتحدث عن الهجرة ولا تنسجم مع هذا القول ، بل تنسجم مع سبب النزول الذي ذكرناه أعلاه . 2 - في هذه الجملة ، جملة أخرى محذوفة تتضح لدى الإمعان في الأجزاء الأخرى من الآية والتقدير : " فمالكم تفرقتم في المنافقين فئتين . . . " . 3 - " أركسهم " : من ركس وهو قلب الشئ على رأسه ، وتأتي أيضا بمعنى رد أول الشئ إلى آخره .